Jun 19, 2009

خــواطــر يـــونيــــو 2



تبقي لديّ من الحديث السابق بضع خواطر تلي ثلاثاً قد سبقن


رابعاً


أن ما كان من أحداث النكسة وملابساتها ونتائجها كان كافياً جداً للمصريين لكي يقيّموا نظامهم السياسي ودرجة أدائه ويبدأوا في إعادة أمور كثيرة الي نصابها الذي مال ولكن لم يكن مسوغاً أبداً للتشكيك في خيارات إختاروها وتناسقت مع معتقداتهم وتراثهم ، نعم كان النظام السياسي بحاجة الي إعادة تصحيح لمساره وأسلوب معالجته للأمور ولكن دون أن نتخلي عن خيار التنسيق في إطار عربي واحد أو أخذ القرار الوطني في مجمع اليد وعدم الإنصياع لإملاءات الدول الكبري ومصالحها والإنحياز لقضية الوطن الضائع من الفلسطينيين وكذلك العمل لتحقيق العدل الإجتماعي بالداخل ، فكل ذلك كانت مبادئ اختارها الناس وصفقوا لها ووافقت معتقداتهم وليس معني اساءة التعبير عنها في بعض المراحل أنها في حد ذاتها مبادئ قميئة ينبغي التخلص منها
خامساً
أن المجتمع بعد النكسة كان بلا شك مهموماً لكنه أبداً لم يفقد التوازن ولا الإرادة ، وشتان بين هذا وذاك فقد التئمت صفوف القوات المسلحة المصرية بعد الضربة في بحر أسابيع قليلة وصارت تناوش المحتلين ثم تناجزهم محققة أعلي مفاجأة متصورة بإغراق المدمرة الاسرائيلية إيلات بعد أربعة أشهر فقط من النكسة!!ه

ثم توالت بعد ذلك عمليات اعادة التسليح والتنظيم مقرونة بعمليات حرب الاستنزاف




لم أقول هذا الكلام؟


هذا الكلام ليس سفسطة فارغة أو محض جدل عقيم ولكنه دعوة لتدقيق النظر لتبين التاريخ الدقيق لهبوط منحني القيم لدي المجتمع المصري وظهور مؤشرات انحطاط الذوق فيه ، فالبعض إستغل الخداع البصري لدي المصريين فنسب ظهور هذه المؤشرات فيما يلي النكسة مباشرة وبسببها وهو مما لا يلامس الحقيقة في شئ والا فليقولوا لي عن تاريخ ظهور وانتشار ما يعدونه كمؤشرات لهذا الإنحطاط في الذوق : هل كان في الأعوام الستة بين الاحتلال والتحرير أم كان فيما يلي تبدل السياسات والإنفتاح وتسرب نقود وأخلاقيات النفط للداخل المصري ( مع تسجيل كامل إعتراضي الشديد علي إعتبار فنان مثل أحمد عدوية أحد هذه المؤشرات للإنحطاط في الذوق المصري)ه


وتلخيصاً نقول أن المجتمع المصري - بل والعربي ككل - كان بعد النكسة يعاني من بعض الإكتئاب والهم ولكنه أبداً لم يفقد إيمانه بالقضية أو بخياراته الا في مرحلة لاحقة كان لها ظروفها




سادساً

كرأي متواضع في أسباب أفضت الي النكسة فأنا علي شبه يقين من أن الهزيمة العسكرية لم تكن مدعاة أبداً لجلد الذات لأن الأمر لا يتعدي جولة في حرب ممتدة ومع ذلك فالهزيمة العسكرية نفسها لم تحدث لأن القتال بين الطرفين لم ينشب من الأساس فيظهر كل من الطرفين قدراته ، ولكن إسرائيل أغارت علي جيش لم يكن يرفع سلاحه أصلاً

السبب الأساسي الذي توصلت اليه بعد تفكير وبحث لم يكن مجرد قرارات خاطئة صدرت من عبد الحكيم عامر أثناء القتال أو من جمال عبد الناصر قبل الأزمة وأثنائها ، السبب الأساسي كان في شئ واحد لم أجد له تسمية شائعة فسميته ( النسق الفكري )ه

والمقصود ب ( النسق الفكري ) هو الطريقة التي يرتقي بها الفكر ويتطور بها أسلوب التفكير بالأعتماد علي تجارب سابقة والأحداث اليومية وإعمال الإبداع الشخصي وسبل توفير المعلومات والإستفادة منها وعدم الإنحياز للمعتقدات الشخصية إذا ما تعارضت مع معطيات الواقع

فإذا ما أخذنا هذا التعريف وحاولنا تطبيقه علي أمر النكسة سنجد أن أموراً عديدة ليست في موضعها ومن قبل النكسة بسنوات عديدة

رجال غير أكفاء يضطلعون بمسئوليات خطيرة لمجرد أنهم أهل الثقة!!ه

وإنغلاق العيون عن تبدل الأحوال في العالم عن ما كانت إبان حرب السويس ، فلم يعد الأصدقاء في أنحاء العالم في أماكنهم سواء في الأمم المتحدة أو أسيا أو في إفريقيا أو حتي في أمريكا اللاتينية ، وحتي الأعداء تبدلت ملامحهم واختلطت مصالحهم وأهدافهم

حتي الأحوال في العالم العربي كانت قد تبدلت وكان هذا يستدعي قدراً أكبر من الحذر في معالجة الأمور ، وحتي سوريا التي كانت خير عون لمصر في حرب السويس صارت - دون أن تقصد - الطعم الذي ابتلعه المصريون

كل هذه الشواهد وأكثر كانت تشير الي ان ( النسق الفكري ) للقيادة المصرية لم يكن متطوراً بالقدر الكافي فلم يواكب نظيره علي الضفة الأخري وكانت النكسة هي النتيجة


النّسق الفكري عند جمال عبد الناصر كنموذج

جمال عبد الناصر الرئيس المصري الذي قاد مجموعة الضباط الأحرار للتخطيط والقيام بتغيير نظام الحكم في مصر وقد نجح في هذا فعلياً بينما أن عمره كان أربعة وثلاثين عاماً وطوال أربعة أعوام تالية كان المخطط الأساسي لتغيير وجه الحياة السياسية والإجتماعية في مصر الي أن كانت معركة السويس مقاومةً لقوي الطمع والتأمر الثلاثية في الظاهر وحرب علي قيم الإستعمار وإستعباد الشعوب في الحقيقة وخرجت مصر بقيادة عبد الناصر منتصرة ومحتفظة بالدرة التي أثارت الزوابع من أجلها ( قناة السويس )وكان هذا وقد بلغ عبد الناصر الثامنة والثلاثين من العمر وهي سن صغيرة جداً بالنسبة لقائد عليه أن يقرر مثل هذه القرارات ويتحمل نتائجها ، فإذا أضفنا الي ذلك أن عبد الناصر الذي كان يقرأ بنهم في صغره وشبابه قد تكالبت عليه مصاعب الحكم ومشاغله - بحكم انه أخذ مجمع السلطات في يده - فمنعته من استكمال القراءة أو الإطلاع فيمكنني أن أقول بمنتهي الإطمئنان أن جمال عبد الناصر قد توقف النسق الفكري لديه عند الخبرة المريعة الذي دخلها في حرب السويس وخرج منها منتصراً وعند بقايا القراءات والمعارف التي تأسس عليها فكره الشاب
لذا فقد كان من المتوقع أنه ولدي تصاعد الجولة التالية من الصراع العربي الإسرائيلي - النكسة - فقد تصرف عبد الناصر علي أساس الخبرة الضخمة التي جربها من قبل ، ولم يسعفه النسق الفكري في أن يعرف أن كل الأمور قد تبدلت وأن الهدف من الجولة هذه المرة ليس قناة السويس أو إسقاط النظام الحاكم من الخارج ولكن تحطيم الجيش المصري وكسر شوكته وخلق منطقة أمنة بينه وبين إسرائيل

Jun 4, 2009

خواطــر يـــونــيــو




قد يظهر أنني لا أساير الأحداث الواقعية في تدويناتي بالتعليق والتحليل او حتي بالتهكم وهذا ( الطقس ) لم ينكسر الا في حالات محدودة جداً مثل قصف غزة الذي كان كأيقونة دموية للعام الميلادي الذي ولد ساعتئذ


ولا أستطيع أن أدعي الحكمة أو الإرتفاع او الانفصال عن الواقع ، ولكن في بعض الأحيان أري الواقع نتيجة وليس سبباً وأري السبب يسكن في نفوسنا نحن ولذا فإنني أري أن الأولي بي أن أوصف السبب وملامحه في نفوسنا كما أراه بدلاً من أبحّ صوتي في رصد واقع يراه كل ذي عينين ولا يستطيع منه مخرجاً


هناك مناسبة واحدة فقط هي التي تفرض نفسها عليّ كي أكتب عنها كلما أتت ذكراها في كل عام ، وهي وان كانت من الماضي الا أني أري أن المستقبل مرهون بتحليلها واستيعاب الدروس الكامنة فيها بل والبدء في قلب المؤشر لكي يكون في صالحنا عبرها

شهر يونيو دوماً نستهلّه في مصر دوماً بتذكر وقائع (نكسة يونيو من عام سبعة وستين ) وبالطبع فكل منا قد أخذ علي عاتقه مهمة محددة ،كأن يجدها فرصة لصب اللعنات علي الحكم الناصري الذي سجن "إخوانه المسلمين" إبان الستينات، أو يكرس أخر جهده للرد علي خصوم عبد الناصر ومحاولة التهوين من حجم الأزمة والمسئوليات ، وثالث قد يأخذه العويل والبكاء علي الأزمة الكبري التي تعرض لها إبان النكسة وتأثيرها المريع عليه وعلي جيله ، ورابع قد يبرهن بالأداء خلال أحداث النكسة علي المسلك الحكيم التي تتخذه مصر الأن تحت قيادة الرئيس الحكيم ، وخامس وسادس وسابع الخ الخ


أنا وغيري الكثيرون جداً في مصر لم يتسن لنا أن نعاصر النكسة ومع ذلك قد أدعي أن القليلين جداً من كتابنا ومثقفينا هم الذين يعطونني ما أريد عن النكسة وأما الباقون فهم بين موتور وحاقد ودرويش ناصري ومكلف بالتضخيم والتهويل وبين مهتز نفسياً

ولكي أوضح أكثر فانا وجيلي نريد كل الحقائق والتفاصيل التي اكتنفت الأزمة من بدايتها الي ما ألت اليه لكي نتمكن من تحليل الأزمة واستيعاب الدروس ومعرفة موقعنا الأن من درس النكسة
نريد كل هذه المعلومات دون خلطها بوجهات النظر أو الرأي المتحيز أو الأغراض والأهواء
وبشكل مبدئي فأحب أن ألفت أنظار أبناء جيلي بالذات الي بعض الأمور الهامة التي تحيط بالموضوع

أولا
أن اعتراف الرئيس جمال عبد الناصر بتحمله المسئولية عما حدث قبل وأثناء وبعد الأزمة هو إعتراف صحيح تماماً ولم تكن نوبة من ( الشهامة ) اكتنفت الزعيم جمال عبد الناصر ، فعلي قدر السلطة تكون المسائلة وبم أن عبد الناصر قد احتفظ لنفسه بكامل السلطة - مهما كانت الأسباب - فان عليه كل المسئولية بما يجعل الجدل غير ذي معني ، وهو بنفسه الأبية لم يتنصل من المسئولية وترك الأمر في يد الشعب يقرر ما يريد

ثانياً

خلافاً للموتورين والأقزام والراقصين حول شواهد القبور فاننا حين نود أن نتعرف الي أصحاب المسئوليات لا يكون هذا بدافع من الخوض في أعراضهم أو لعن سيرتهم ووأد مجمل أفكارهم ولكن لنعرف مكمن الخطأ ونرصد الأسلوب الذي أتبع في إدارة الأزمة ونتعلم من الدرس ونرتقي بعقولنا أن تكرر نفس الخطأ مرة أخري ، دوماً لنا عين علي الماضي تدرس وتتعلم وأخري علي المستقبل توجه وتتصرف

ثالثا

لابد أن يدرك أبناء جيلي أن أزمة مثل نكسة عام سبعة وستين وأكثر قد مرت علي أقطار عديدة في العالم - الحرب الأهلية في أمريكا وغزو هتلر لفرنسا واحتلالها شبه الكامل أم أقول ضربة ميناء بيرل هاربور التي أدخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية - ولكن شعوب هذه الأقطار ليست لهم التركيبة النفسية والثقافية لشعوبنا وبينما نري ألمانيا اليوم عملاقاً عالمياً فلابد أن نتذكر انها كانت الي مطلع التسعينيات دولة مقسومة الي نصفين وبدون قوات مسلحة الي الأن

وبتوضيح أخر فاني أود أن ألفت الأنظار الي أن أغلب الذين عاصروا النكسة و يحدثوننا عنها هم من أثرت الخسارة في نفسيتهم تأثيراً عميقاً كان من الضروري أن يتلقوا بعده برنامج إعادة تأهيل نفسي لكن لم يتلقوه ، وأحسب أن لا تجني فيما أقول ويكفيني حديث الأستاذ صلاح عيسي - في مقال نشر في المصري اليوم- عن تأثير النكسة عليه هو شخصياً والذي لم يتخلص من كوابيسه حتي الأن ، إذن لكم أن تتصوروا عدد المقالات التي كتبها عيسي وكل أقرانه منذ النكسة وحتي الأن وهذه العلة تسكن خلدهم

وللتدوين بقية