
وماذا علي ان افعل الأن؟
محمد أمامه علي الأقل نصف الساعة الي أن يصل ، يقول أن كوبري أكتوبر (مطرشم) ولن يستطيع أن يأتي في الموعد ونصحني أن أنتظره علي مقهي قريب في نفس الشارع الذي علي ناصيته كان اللقاء دون ان أبتعد لأنه لا يستطيع ان (يركن )في انتظاري فرجال المرور ( شادين حيلهم)!!ه
وبالرغم من ان محل عملي يقع في نفس الشارع الا انه من الصعب علي ان أعود اليه او حتي ان الجأ الي الجلوس علي مقهي لذا وبعد هنيهة من التفكير أثرت أن الجأ الي هوايتي الأثيرة في مراقبة الغادين والرائحين خصوصا وانني لم أسمح لهوايتي هذه ان تتفلت ابدا منذ ان بدأت التردد علي هذا الشارع
وبطبيعة الحال كنت اعرف ان الشارع جزء من حي راقي تسكنه الطبقة الميسورة وتتزاحم سياراتها الفخمة في شوارعه ، وعلي هذه الناصية بالذات كان هناك تجمع من (الفواعلية) وهم مجموعة من العمال - صعايدة في معظم الأحيان - الذين تباطأ المال عن ان يصل الي قراهم البعيدة فصعدوا هم الي العاصمة لإستقائه ، يتجمعون كل صباح علي ناصية اي شارع وكل منهم قد لمّ أدواته - من شاكوش وأشكال متعددة من الأجَـنَـة - في رباط مطاطي أسود سميك ووضعها منتصبة علي حافة الرصيف دلالة إعلان وعلامة قوة الأداء في الوقت ذاته!ه
بدأت في التمشية ببطء علي الرصيف ظاناً ان السيارات الفخمة وأحوال اصحابها خلف نوافذها سوف يستأثران بإهتمامي الي اني سرعان ما تحول انتباهي الي العمال الجالسين في الجزيرة الوسطي القابعين في شبه وداعة لا تمت بصلة ابداً لما اعرفه عن تكأكئهم علي اي صاحب محل او مستأجر شقة يأتي ليستأجر عافيتهم في هدم جدار او رفع الرمال او الأسمنت وكل منهم يقنعه انه هو الأصلح لمثل هذه المهمة أو أنه أرخص في ( يوميته) وهكذا
وأين هذا الصعيدي الذي يستطيع ان يحيا دون اكواب الشاي الثقيل؟
غني عن البيان بالطبع ان اقول ان مثل هذا التجمع قد رزق بفردين او ثلاثة يتكسبون من وراء (نَـصـبَـة)شاي ينصبها كل منهم في ابسط الصور من موقد كيروسين - او غاز ايهما اوفر- وحيد العين وقفص فاكهة مقلوب عليه لوح خشبي متوسط وضع فوقه مرطبان شاي عملاق واخر اكبر منه للسكر ورصت الأكواب بجوارهما تشتمل كل منها علي ( التلقيمة ) ولا تنتظر الا الماء المغلي ومن قبلها طالب الكوب أصلاً
ضاقت مسافة تمشيتي المتمهلة وقاربت ان تكون المسافة حول ( النصبة )، لاحظت ان الجالس أمامها نظر لي نظرة عابرة وأشاح بوجهه متماً نظرته الأستكشافية ،هو يقول طبعاً ان هذا ( الأفندي )ليس من عملائه المستهدفين في الأساس!!لكنه فوجئ بي أجلس علي حافة الرصيف بجواره وكذب أذنيه حين قلت له ( واحد شاي)!!!ه
لاحظت أنه تجاوز الموقف بشجاعة وبدأ في صب الماء في حذر وبدأ يتلفت حوله ليبحث عن من يجلب ماءاً مثلجاً إثر طلبي ولكني أكتفيت بالماء من ( الجركن )بجواره ، حاولت أن أحتضن كوب الشاي الساخن وأتجاهل نظراته المستغربة التي تأكدت من أنه يسددها لي وحاولت أن أنشغل بمراقبة المارة حتي يصل،،،،،ه
تعرف كلية التربية؟-
قطع السؤال أفكاري وتصورته من صاحب ( النصبة )ولكن حين التفت وجدت رجلا جنوبي الملامح أسمر ذا شارب لا بأس بحجمه يرتدي جلباباً رمادياً حال لونه وقد أمتلأت عيناه بلهفة غريبة تضارع غرابة السؤال
جامعة أيه؟-
تسللت الي عينيه بعض الحيرة وهو يرد بلهجة جنوبية
ماخبرش ،هي تفرج عاد ، كوباية شاي يا ابو شيماء الله يرضي عليك-
بالطبع كان هذا سؤاله الغريب الثاني فإن كان يجهل بأمور الجامعات فما الباعث أصلاً لسؤاله ولهفته؟!!ه
( أستأذن في عدم قدرتي علي متابعة نقل الحوار بلهجته الجنوبية وان كنت أجتهد لمقاربة الألفاظ بالمعاني)
قررت مهادنته فقلت له ماذا تريد من هناك؟
أخذ رشفة من كوبه - أسود اللون - ثم تسلل الي عينيه تعبير لم أستطع التعرف عليه وهو يقول:ه
لا أريد شيئا ، رأيتك أفندياً نظيف الثياب فقدرت انك قد تكون متعلم في كلية التربية وكنت سأسألك علي أحد معارفي
هنا كان الموضع الحكيم للصمت، ان لم يواصل حديثه فقد كان مقصوده فعلا مثل ما قال أما ان واصل الحديث فهي فرصة للتعرف علي ماهية هذا التعبير في عينيه!ه
قال وقد بدأ الشرود يتثاقل في نظرة عينيه:ه
جدع شاب أسمه ( خالد) من عرب قنا عرفته في أول أيامي هنا في مصر ، نزلت هنا مديون وسايب مراتي وعيالي في الدار منتظرين أبعت لهم اي نقدية تكفيهم السؤال ، جماعة أقربائي أعطوني ( العدّة ) ودلّوني علي شارع في الجيزة أقف عنده بانتظار اي أحد يطلب (فواعلي)، كنت قلقا مهموماً عقلي يكاد ان يفارقني ويسافر للبلد ليري أحوال العيال، وحين غلبني اليأس من أن أحصّل رزقاً يومها لجأت الي حديقة تشبه هذه وتمددت فيها واضعاً أدواتي تحت رأسي ورحت في النوم ، لم أدر كم نمت لكن حين أستيقظت كان هناك قميصاً نظيفاً حلو الرائحة علي وجهي وحين أزحته وجدت شاباً بجواري تعلو وجهه النجابة ومع ذلك يرتدي ملابس قديمة علي نظافتها!! ، تهلل وجهه حين قمت ونصحني ألا أنام تحت الشمس ورأسي مكشوف فانتبهت الي اني لا ارتدي العمّة ، قال ان اسمه ( خالد ) وانه من عرب قنا وانه متعلم في كلية التربية وان كان مرض والده المزارع تقتضي ارسال اي نقدية في أقرب وقت ودون انتظار ولذا لجأ لمثل هذا العمل
بعدها قام وأعطي الكوب الي أبي شيماء وأعطاه شيئاً غامضاً ( عرفت فيما بعد أنه ثمن كوبي الشاي)ثم أبَ اليّ وقال:ه
لا أخفي عليك فان قلبي انفتح له منذ ان رأيته ، كان حلو المعشر مطّلع ذا نظرة في احوال الناس وكان دوماً يعيرني اهتمامه وسمعه اذا ما تحدثت عن العيال وأحوالهم ، وقد شعرت أنه قد أخذ علي نفسه عهداً من ليلتها أن يقوم علي خدمتي والتخفيف عني ومصاحبتي ، مرت أيام عديدة كان فيها نعم الأخ والسمير والصاحب ومع هذا بدأ المال القليل في جيوبنا يتناقص بسرعة حتي بعد أن انتوي التوفير في الأكل ومقاطعة السجائر وأبداً لم تأت اي ( مقاولة )تنقذنا ، وحين اتصلت بالعيال ذات ليلة شكت لي أمهم أن لا أحد يريد أن يقرضها ولا تدري ماذا تفعل ، عدت اليه والدنيا امامي مثل ثقب الأبرة فوجدته هو الأخر قد علم أن أباه قد نقل الي المستشفي وعلي وشك جراحة تستلزم مبلغاً للتعاقد مع الطبيب ولا يدري ماذا يفعل ، بتنا ليلتنا مفتوحي الأعين وحين جنّ الصباح أتجهنا الي موقع وقوفنا ننتظر الرزق ولم يأت الضحي الا وقد تزاحم ( الفواعلية ) من حولنا وقد علا عجيجهم ، لم أكن معه كان عقلي مع زوجتي التي لا تجد ما تطعم به العيال هناك وعيوني تحتضن ناصية الشارع لاقتناص الرزق قبل من حولي وكنت أعرف انه هو الأخر لم يكن معي وأن عقله يكاد يكون مع والده ولاحظت أن عيونه تجري بسرعة خرافية علي الطريق
كنت ساعتئذ قد نسيت كل شئ عن المكان الذي انا فيه و( محمد ) الذي سيصل في اي لحظة الان واني جالس علي الرصيف بجوار ( نصبة ) شاي ، لم يكن في رأسي سوي ما يحكيه ( سـعـد)وقد لاحظت أن ألماً من نوع غريب قد بدأ يغزو وجهه حين قال:ه
وأذا بي أفاجأ بشئ يماثل الوحي يخبرني أن السيارة السوداء التي تقترب سوف تتوقف لتطلب ( فواعلية) واذا بي وسط ذهول الجميع أقفز وأتعلق بمقبض باب السيارة الخلفي وأجري متعلقاً به الي ان بدأ من حولي يفهمون حين هدأت السيارة سرعتها لديهم ، تزاحموا حولي وانا احاول فتح الباب لكنه كان موصداً ، وصلتني لهجة صاحب السيارة تطلب في أنفة واحداً فقط ، أخذت أخلص كل الأيادي التي تمسكت بالمقبض بمنتهي القسوة ولابد ان شكلي كان مرعباً لأنه لم يفكر أحد فيمن أذيتهم في رد الأذي لي ولم تبق سوي يد واحدة استماتت علي المقبض وحين رفعت عينيّ الي وجه صاحبها اصطدمت بوجه ( خالد )ينظر لي بثبات ، هو قد رأي في عينيّ اولادي الذين عاهدني ان ان يكون لهم نعم العم وانا رأيت في عينيه والده الذي قضيت الليالي اواسيه وأطمئنه علي صحته ، وجدت نفسي اتخلي عن المقبض وأخبرته انه هو الأحق وأنني أستطيع الأنتظار بينما تراجع هو الأخر وهو يهز رأسه غير راضيا ، أخذ كل منا يحض الأخر علي أن يركب والكل حولنا مندهش من سلوكي القاسي اول الامر ( لاحظت ترقرق الدموع في عينيه) واذا بي أستعيد صورة ابنتيّ وامهم وهم جوعي هناك فتقدمت نحو الباب وكان هذا في نفس اللحظةالتي تقدم هو الأخر نحو الباب قاصداً الركوب!ه
نظر اليّ نظرة لم أهنأ منذ ان رأيتها بنوم الي الأن ، كان فيها من الرحمة والحنان والود والحيرة ، كان كل شئ قد صار واضحاً لكلينا ولكنه تراجع بسرعة وأعطاني ظهره وانصرف لكي لا يعطيني الفرصة ، تجمدت مصدوماً للحظة ثم فتحت الباب وركبت وتحركت السيارة ورأيته سائراً بجوار السيارة ينظر في الأرض دون التفات
كان هذا يا أستاذ منذ حوالي اربعة اشهر لم أتوقف فيها لحظة عن البحث عنه دون طائل ، حتي جماعتنا هنا لا يدرون عنه شيئا ولم يعد لبلده علي الرغم من وفاة والده ، ولما رأيتك اليوم وددت لو كنت زميله وتعرف مكانه او تعرف حتي اين اجده،،،،،،،،ه
مرت بي سيارة ( محمد ) وسمعت ندائه وقد توقف ، تحاملت علي نفسي لكي أقف واسير اليه وهو لا يتوقف عن الاشارة لي في المراة بأن أسرع ومددت يدي لمقبض الباب وعندها لم اتحمل كتمان دموعي اكثر ، فلم أجد أيادي تصارعني علي مقبض الباب!ه

















