Jul 21, 2010

فــاكــانــســي أم رشــا !!ه


كيف تري الأمور لو كنت تسكن وحدك ؟

بالطبع فإن هواة الحرية والانطلاق - نزل إيدك يا ابني هناك - سوف يتحفونني بمقالات رائعة متخمة بمصطلحات من عينة ( الخلاص )و ( اللي علي مزاجك )و ( بلا خنقة )الخ الخ

وإذا لم تكن سعادتك تقرأ هذا التدوين كماأقرأالجريدة-من الصفحة الأخيرة وصولا للسودوكو!!- فقد وقعت عيناك علي الصورة التي تتصدر التدوين - وهي التي لا علاقة لها بي وأقسم علي هذا !! - وهي تحمل العنصر الذي أردت الحديث عنه اليوم

دعونا ننسي الفئة التي طرحت عليها سؤالي والا فإن العديد من الروائح غير المستحبة سوف تبدأ في التصاعد - خصوصا اننا في الصيف -نتيجة ( التكبير ) لجامع القمامة و( التنفيض ) لصراصير المطبخ الخ الخ

لا أنكر انني شخص يحب النظافة ، وانني مثل باقي البشرية قد أقوم ببعض المجهودات الخلاقة في سبيل نيل بعض مطالبي - كما تسمح لي الظروف بين الحين والأخر وقد دونت إحدي هذه المرات هنــا- وان كنت لا أدعي ان النظافة لدي وسواس يحكم كل حياتي والا كنت قد تقدمت بطلب للهجرة منذ زمن!!ه

وأخر هذه الأوقات لم أكن أملك استعدادا عصبيا او حتي الوقت للتورط في مثل هذه العملية لذا فالحل يكون لدي ( أم رشا ) ه

ولمن لا يعرف أم رشا من قراء مدونتي المساكين أقول لهم : انتم لستم بأحياء!!ه
أم رشا ..يا عيني عليكي يا ام رشا..انها لتجربة فريدة ان تري ام رشا وهي ( تؤدب ) سجادة أعطاها لها احد السكان جزاءا لها - للسجادة وليس ام رشا-علي سفالتها اذا ما يوما أظهرت بعض الغبار الكامن فيها!!ه
أو تراقب تخطيطها لخوض مباراة ( مسح السلم ) كل صباح خميس..عليك ان تتأمل ( التشكيل ) الذي وضعته بطريقة واحد( للكنس- هند محترفة في مدرسة الأمل الخاصة!! )- واحد( للمسح وغمر المياه - رشا محترفة في غيطان الأرز!!) وأخيرا رأس الحربة واحد ( لجمع المياة والتجفيف والتنشيف - أم رشا محترفة في شركة المياة !!!)ه

ومن فوري اتجهت الي زوجها السيد مرتضي بشندي  بواب العمارة المجاورة والقائم بأعمال بواب عمارتنا الي أن يخترعوا أحدهم ، وككل صباح كان منهمكاً في أداء الطقس الصباحي برفع (ذيل ) جلبابه الي فمه - دلالة الجودة فالناس تشمر عن ساعد الجد اما مرتضي فليس أقل من ان يشمر عن ساقيه!!-وتوجيه فوهة خرطوم المياه الي اقصي ما يطوله من جهة اليمين أولا-علي السنة!-ثم جهة اليسار

صباح الخير يا مرتضي 
صباح النور يا بييي
مش خسارة المية اللي عمال تسرسبها كل يوم دي يا مرتضي؟ دي متنقية للشرب
ونجيب منين مية يا بييي؟
يعني وهو لازم رش مية؟ كيف يعني؟
بابتسامة صمغية- لا يا بييي بس الغبرة تركبنا عاد لو ما رجدنهاش!!ه
ترجمة: لا يا بيه بس التراب هيطلع علينا لو مش رشيت مية ترقده!!ه

ماشي يا مرتضي ، ابقي قول لأم رشا ان الشقة اشتكت من التراب اللي انت بترقده ده وهارجع العصر عشان افتح لها تشتغل فيها

أم رشا مش هنا يا بيي ، اني وصلتها البلد من يومين تقعد مع أهلها كام يوم

وهترجع إمتي؟

يعني ، عشر تيام كده

يا الله ، هل أحييتني يا ربي حتي رأيت اليوم الذي يقول فيه الصعيدي بفم ملؤه الثقة أن زوجته تقضي ( فاكانسي ) في البلد!!ه
لا حول ولا قوة الا بك يارب ، استر يا ستار ، دي القيامة هتقوم يا اخواننا ،هي يعني صحيح أم رشا قد تسلك سلوك البني أدمين غير المتجبرين في بعض الأوقات وقد أعترف انها قد - أقول قد - تحتاج الي إجازة مثل بقية البشر ولكن السؤال: ماذا علي أن أفعل الأن؟

لابد أن أقدح زناد فكري ،وزناد الفكر هذا لا يقدح هكذا بالنوايا الطيبة ، لاااا ، يلزمنا قضاء بعض الوقت عند عربة التين الشوكي علي الناصية لكي يستقيم الفكر ويعتدل!!ه

تغافلت عن شرودي أمام ثمار التين التي تتفتح علي يد الرجل الي ان شعرت بالإكتفاء حين وصلت الي قرار ،وان كان هذا القرار كلفني تيناً شوكياً بسبعة جنيهات!!ه

ألم تكوني انت أولي بهذه الجنيهات وزيادة يا أم رشا؟!!ه

استعنت بالله وانتويت أن أقوم انا بالمهمة ، وبالطبع لا أريد تكرار تفاصيل قد أكون سردتها قبلا هنـــا ولكن في هذه المرة قد أكون إزددت خبرة بأمور النظافة المنزلية وعرفت أجابة بعض الأسئلة من مثل :ه

لماذا تفضل الزوجات لف الرأس بإيشارب مع الحرص علي إبراز طرفيه من أعلي الرأس كأذني أرنب ( أرنب حبوب يعني عشان مش حد يزعل !!)أثناء التنظيف والتنفيض؟
ففضلاً عن أن هذا يدخل في صميم تقاليد العائلة المصرية المتوارثة فقد تبين ايضا ان لبس الإيشارب يحول دون إتحاد الغبار المتطاير مع دهان الشعر- إن وجد يعني ويتراوح بين الجاز وكريم فاتيكا!- وتحوله الي رقائق من أشياء طريفة جداً لا أنصح بتجربتها علي اي حال!!ه

ولماذا تتحول الزوجات أثناء عملية التنظيف الي أشكيف مخيف  - لو أضفنا لصورة الأشكيف شعر الرأس النافر وصوت الزئير والصراخ المفزع!!- لا تتحمل ان تري امامها اي من أفراد الأسرة يظهر عليه بعض الحبور؟

فقد وجدت أن كمية الغبار المستنشقة والمتراكمة علي تجعلني أحقد علي كل من يعبر أمام عيني نظيف الملابس من غير سوء كما انني كنت في ( عرض ) اي احد يجلس حتي بجانبي ليقول لي : تشجع ، فات الكتير ، جدع ، هات كويس من تحت السرير!!!ه

في العموم فقد انتهت العملية بحمد الله بسلام وأعتقد ان والدتي حين سمعت بالموضوع علاها الحبور والرضا فقد يكون تكرار الأمر لمرة أو مرتين قادمتين كفيل بركوعي أمامها طالبا العفو و الموافقة علي الزواج!!ه     

Jul 4, 2010

الخيــط الأســـود البغيض


إستلزم الأمر هذه المرة عاماً كاملاً لفهم الأمر من كافة جوانبه ، تطلب الأمر عاماً كاملاً للوصول الي حقيقة ان الخيط الأسود البغيض كان هناك ، منذ عام في دريسدن بألمانيا ، يلتف حول عنق الضحية مروة الشربيني ولا يتركها الا جثة غارقة في دمائها علي مرأي من ابنها الصغير
وقد أطل الخيط الأسود واضحا حين قال القاتل في التحقيقات ( أنه يرفض ان يأتي العرب للعيش في ألمانيا التي يجب ان تبقي للألمان )، قديماً لم تكن ( المدنية) التي انتقلت للأرض الجديدة في أمريكا بالقادرة علي تدميرهذا الخيط ونزعه من النفوس فرأينا السادة المتمدنين المستندين علي حضارة أوروبا يستحلون دماء ( الهنود الحمر ) أصحاب الأرض الأصليين وبتصريح من الكنيسة يساوي بين الهندي الأحمر والبهيمة ، والأرض كانت الجائزة
ودار الخيط الأسود البغيض دورته الي ان وصل إفريقيا وكان وازعاً علي موجات السادة المتحضرين - من فرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا - وهي تتوالي ولا تتواني عن إبادة قبائل كاملة إذا ما وقف هذا في طريق إستخراج الذهب او الألماس ، وحين أخذ الخيط يتجمع ويتشابك إختار ( جنوب إفريقيا ) لتكون أرض الكراهية والتفرقة العنصرية والقتل غير المسئول للسود أصحاب الوطن الأصليين
هل لنا ان نتحدث عن هتلر وإذكائه لنزعة التفوق لدي الجنس الأري - الذي يقطن ألمانيا - وسيادته علي بقية الأجناس ، وعلي هذا فقد أسس الرجل للرايخ الثالث ومضي مستغلاً قوة بلاده ووطأة جيوشه ومحتقراً لكافة أجناس الأرض
أم نتحدث عن موسوليني ، الديكتاتور الإيطالي الذي أراد أن يعيد مجد روما التليد فلم يجد سوي أن يذهب للجيران ويطردهم من أراضيهم ، ولن نذكر فظائع الأحتلال الإيطالي في ليبيا
ومن بعدها لم ينقطع هذا الخيط الاسود ، ما زال يلتف حول أعناق أهل فلسطين ويطل من فوهة بندقية كل كلب إسرائيلي يرتعد رعباً اذا ما نزعت منه هذه البندقية
***************
لا تتعجبوا إن قلت لكم ان ما كتبته هذا لم يكن أبداً لتجديد الغضب وإيغار الصدور علي سكان أوروبا والغرب وأفكارهم ونظرتهم الينا ، بل ان ما يحتاج النظر اليه هو أحوالنا نحن ، في الوقت الذي كان فيه علماء االعرب يقيسون إرتفاع الأجرام السماوية ووزن الأرض وقطرها كان الأوروبيون يلبسون الجلود ويبيتون في الأكواخ ، وحين كان المسلمون في الأندلس كان الطلبة يقصدون قرطبة وغرناطة وغيرها ليدرسوا العلم ويعودون به الي أهليهم ، بنوا حضارتهم تأسيساً علي حضارة العرب وقد ينكرون لكن المصيبة انه اذا تحدث أحدهم عن انه ( لا يريد عرباً هنالك) فإننا لن نرد عليه بأن ( إنزع عنك حضارتك تلك إذن )ه
نحن لا نملك معرفياً أن نبث الي الأخر أسباب أن يقبلنا ، بالعكس نحن ماهرين في جعله كيف يرفضنا ، فأفضل العقول العربية حين تذهب اليه لن تكون هناك لكي( تجعل حياته أفضل) ولكن لأنها (هاربة من الفقر المدقع و الاستبداد في بلادها) وتذهب اليه هناك تستولي علي دخله
ودائماً في الوقت الذي ينبغي فيه ان نظهر التفهم والمناقشة لا يظهر منا الا الغضب والمظاهرات والعنف ، وحين يتطلب الأمر بعض الحزم والتشدد في المواقف لا يجدون الا كل تفريط وميوعة( الموقف من ضرب غزة والحصار ومن بعدهما قضية اسطول الحرية)ه
ِوالعجب اننا قد نستنكر ويستبد بنا الغضب - كأفراد - اذا ما صادفنا المعاملة العنصرية في أوروبا وأمريكا ولكننا ننسي أننا نستدعي نفس الخيط العنصري البغيض في التفرقة بين السنة والشيعة او حتي في معاملة المصري المسلم للمصري المسيحي والعكس( لاحظ معاملة المصريين للمسيحيين الأجانب وتعجب )ه
وبالطبع فإن البعض قد ينظر لحادث مقتل مروة الشربيني علي انه حادث إرتكبه مخبول ونال جزائه ، ولكنه أبداً لم يكن كذلك وورائه كل ما كتبت وأكثر وليس معني الا يتكرر الحادث بحذافيره بطلان تلك الخلفية ، فعشرات الحوادث التي تحدث يومياُ مع المغتربين تشي بأن هناك فجوة هائلة بيننا وبين الوعي يجب عبورها أولاً لكي نعبر الفجوة بيننا وبين الغرب

May 23, 2010

فلاش بـــاك

سبتمبر- عام الف وتسعمائةوتسعة وتسعين
بالأمس عبرنا قناة السويس بالعبارة عند القنطرة شرق متجهين للعريش ، الرحلة تابعة لوزارة الشباب وسنقيم في احد المعسكرين التابعين لها هناك
المدينة جميلة وهادئة وشاطئها وان كان في معظمه لا يحتوي تلك الرمال الجيرية الناصعة التي تعطي البحر الوانه الفيروزية الساحرة الا ان انتشار النخيل علي البحر مباشرة يعطي المدينة سحراً لا يتوافر لشواطئ أخري
بالطبع لابد ان اتوقع سيطرة الأجهزة الأمنية علي مقدرات البلدة والأمور فيها ، وهو شئ في مجمله لا لوم فيه مطلقا ، أزعجني انتشار المنتجات الإسرائيلية الكثيف هنا في الأسواق وخاصة انها كماليات ( ادوات زينة ، شامبو ، صنادل الخ )ه، اذن فالحكومة توافق علي التجارة والكسب لكنها لا تسمح بأكثر من ذلك والا فلماذا الليلة وانا علي الشاطئ اتحدث مع زملائي عن ما يفعله صدام حسين اذا برجل ضخم يجاورنا في المقعد العام يميل الي ويأمرني الا اتحدث في السياسة !!!!ه
في الغد سوف تأتي الحافلة لنزور عدد من المعالم منها بوابة الشيخ زويد ورفح - حيث سأمشي في شارع طويل نصفه في مصر ونصفه الأخر في فلسطين - ثم مستعمرة ياميت - وهي كومة من الأنقاض للمستعمرة التي أخلتها اسرائيل لدي انسحابها ثم دمرتها واشترطت الا يمس الأنقاض أحد وهي
علي ذلك الي الأن ، خرابة - ثم سنزور النصب التذكاري الصخري لتخليد ذكري القتلي الإسرائيليين في سيناء( ! )
لن يلفت نظري من هذا كله سوي سلوك مرافقنا في الجولة الذي ما ان تحركت الحافلة حتي بدأ شرح تاريخ المكان وجغرافيته وبعض طبائع أهله
ساق المرافق - الذي هو بالطبع يخاطب مجموعة شبابية داخل سيناء وبالتالي قد تمت إجازته - ضمن ما ساق بعض الحديث عن عادات العرايشي واذا به يقول لنا ان كلمة ( ،،،،)- وهي كلمة غير دارجة اطلاقا لدينا في الحضر - قد تضايق العرايشي جدا لأنها سبة قاسية وتجعله في حالة شديدة الغضب!!!!ه
سبحان الله ، هل مثل هذا يقال في كتب الإرشاد السياحي؟
أم انه تلقين؟


اخلاء مستعمرة ياميت






*************************

أغسطس عام الفين
كان المعسكر لأبي قير بالأسكندرية هذه المرة ، وافقت علي الإنضمام اليه لأسباب عدة ،منها مثلا اني سوف ألج الكلية بعد شهرين وأريد أن أقيم الحزب الوطني - صاحب المعسكر - فهو كما يبدو مجتهداً محترفاً والا كيف احتفظ بالسلطة كل هذا الوقت ويغري سيادة الرئيس برئاسته ؟
بالطبع لاحظت ان معسكر الحزب الوطني سوف يقام داخل معسكرات وزارة الشباب بأبي قير وهو ما لا أدري كيف يتم ، تأجير ، او في بيتها ، او الخ!!ه
تواجد السيد نبيه العلقامي بنفسه ليشرف علي المعسكر - علي الرغم من ان احدي قدميه كانت في الجبس ويسير بمساعدة عكاز - وكان أنئذ أميناً للشباب داخل الحزب ، وهو لمن لا يعرفه بنفس ( ستايل ) صفوت الشريف!!!ه
ولو نظرت سيادتك للتاريخ بالأعلي سوف تعرف ان انتخابات مجلس الشعب كانت بعد ثلاثة أشهر - وهي كما سيصفها العلقامي في احدي الندوات ( أصعب إنتخابات للحزب الوطني علي الإطلاق) بالطبع هو لم يقل لماذا لكن الجميع كان يعلم ان الصعوبة تكمن في الإشراف القضائي الذي فرض علي الصناديق هذه المرة ( فاز الحزب عامها بعد الكثير من المصادمات ومنع الناخبين بنسبة تسعة وثلاثون بالمائة تقريبا من مقاعد البرلمان!!!ه)ه
اريد ان اقول ايضا أن اغلب الذين أتوا لا يعرفون اي شئ عما يحدث حولهم فهم يظنونه معسكراً ترفيهياً !!ه وسوف تنقضي أيام المعسكر كلها يقفزون من فوق الأسوار نهاراً ليذهبوا للشاطئ وليلاً ليسهروا في الاسكندرية!!ه
عموماً العلقامي ضمن خطة المعسكر كان يستضيف كل ليلة احد البارزين في الحزب - غالبا وزير - يتحدث فيها عن خطط الحزب المستقبلية لتشغيل الشباب واصلاح الإقتصاد الخ الخ الخ
بالغد مثلاً سوف يحضر السيد هادي فهمي رئيس احدي شركات البتروكيماويات - وتوأم سامح فهمي وزير البترول وسيتكلم عن دور الشباب في الحزب وتجربته في ادارة شركته ثم يزف العلقامي البشري بأن فهمي قد أتي لهم بحقائب مليئة بمجموعة من ( المبيدات الحشرية )والحقائب الفارغة الأنيقة سيأخذها مندوبو المحافظات الذين يعرضون أعلي النتائج للإنضمام ورفع اعداد العضويات في محافظاتهم!!ه
لا أريد ان أصف المشهد السوداوي التالي في التهافت وطريقة العلقامي في التعامل معهم ، لا يهم ، سوف يلفت نظري ساعتئذ الإبتسامة المعلقة علي شفتي هادي فهمي وهو يراقب اي من المندوبين يسرد من الأكاذيب او المساخر - لا فارق - وعينه علي الحقيبة ، كانت ابتسامة مترعة باحتقار واستهانة ما بعدهما ، وله عذره هو الأخر
قد لفت نظري ايضا هذا الشاب النحيف ذي المنظار الطبي الأنيق والشعر الخفيف الذي جلس هادئا منصتاً في مقعده في الصف الأول ولا
ينسي بين الفينة والأخري ان يدون بضع كلمات في أوراق معه
بالطبع تعرفت علي سمت من مثل هؤلاء ، المثقف المحب لبلاده الذي سلك الدرب الشرعي لكي يدلي بدلوه في توجيه سياسة الحكم في وطنه، وبالنظرة البعيدة يمكنك ان تري مستقبله فهو اما سيترك الحزب لأن قواعد اللعب غير نظيفة علي خلاف ما انتظره ، او انه سيصبر متحججاً بعدم اليأس الي ان يأخذ وضعاً داخل الحزب وحينئذ لا يمكنك ان تعرف، هل ما رأه في رحلته أثر فيه فجعله يقسم علي المحافظة علي وضعه ( أحذركم منه جداً فحينئذ هو أخطر الف مرة من الوغد العادي والأمثلة كثيرة ) او سيغلق عينيه عن ان يري تهافت المحيطين ( كوادر وجمهور) ويظل يخلص لمبادئه
طلب الكلمة ، تحدث بهدوء ومنطق أسرين ، نال الإعجاب ، عاد لمقعده وسط التصفيق ، من منصته العالية رمي له العلقامي حقيبة فارغة كجائزة ، سقطت علي الأرض بين المنصة والمقاعد ، ظل كما هو ولم يتحرك، حضه العلقامي بغلظة أن يأخذ الحقيبة ، قام ، وغادر

Apr 27, 2010

بعد الف سلام وتحية




عمو العزيز صلاح


بعد الف سلام وتحية


هذه ذكري وفاتك الثالثة والعشرين قد حلت ومع ذلك فإنني وللعجب لا أراك بعيداً كل هذا البعد ، وحتي ولو قال كل من حولي انك محبوبهم وظلوا يعلقون رباعياتك علي صدورهم ويتغنون بحكمتك وتلقائيتك التي مكنتك واياهم من ملامسة السحاب ، الا انهم ومع كل هذا جزء من هذا المجتمع الذي لا ينظر أغلبه للحالمين والمبدعين الا كنظرته الي الببغاء في قفص ، يثنون علي ألوانه ويضحكون علي صوته ويتسلون بمتابعته الا انهم لا يملكون ما يستقبلون به حكمته ونقده اذا ما ( تجرأ ) يوما علي ان يفكر وينقد!!!ه

صادقاً غنيت انت للإنجازات التي صادفتها في شبابك ، أعرف انك كنت تلقائياً دافق الوطنية مبهوراً بما صار بعد ما كان ، وبعين الخيال انت رأيت ملامح المدينة الفاضلة وبشرت بها في أغانيك الجميلة ، ولكن جاءت النكسة بما بدل الحال


هم قالوا انك اكتأبت بعدها وأغلقت علي نفسك الأبواب ولما خرجت ، خرجت خالعاً ردائك وارتديت أسمالاً من أعمال ( خفيفة) كما حكوا!!!ه


وانا الذي لم أصادف الوعي الا بعد ان رحلت انت عنا أدعي بأني علي علم بحقيقة ما حدث ، وان كنت لا أصارح الكثيرين به فهم لن يستقبلوا كلامي اصلاً فكيف أطالبهم بتفهمه؟!!!ه

ألم يحدث يا عمو صلاح انك قد أفقت بأحداث النكسة علي الواقع الذي كان بعيداً بعض الشئ عن ما ورد في أغانيك؟

ألم يحدث أنك قد أغلقت الباب علي نفسك وأمعنت التفكير فعرفت انك كنت مبشراً مخلصاً لعظائم القضايا وان كنت فطنت الي ان ( القضية العظيمة ) هي مجموعة من القضايا الأصغر والأدق التي تنشد الي بعضها فتتعاظم وترقي؟

ألم تغني ل( الإستقلال الوطني) ثم أيقنت - حين أغلقت الباب وفكرت - الي انها مزيج الكرامة والتضحية وانكار الذات والترفع عن الدنايا؟

ألم تبشر بالمجتمع الرفيع ثم فطنت الي أنه مجموع التراحم والصدق مع النفس وقبول الأخر والعفة الخ ؟

ألم تدعو لاستنفار الهمم ونصرة الضعيف ثم عرفت انهما مرهونان

بصدق الإرادة ومطاردة الكذب والنفاق وتشجيع الحوار وعدم السكوت علي الظلم؟


أنت توصلت لكل هذا وخرجت من عزلتك عازماً علي رفع سلاحك من جديد ، ولكن هذه المرة كانت الأمور قد اتضحت وبان العدو الحقيقي الكامن في نفوسنا

في فيلم ( خللي بالك من زوزو ) انت حاربت إزدواجية التراث والمعاصرة ، الدين والدنيا ، الظاهر والباطن ، الفقر والغني وأهم من هذا كله قصدت طرح سؤالاً خطيراً : من نحن أصلا ؟

وبالطبع فإن الكثيرين رأوا الفيلم خطيئة في تاريخك ، كانوا ينتظرون من الببغاء ان يواصل تسليتهم!!ه


وفي فيلم ( أميرة حبي انا ) حاربت القضاء علي البراءة والتكافؤ من قبل قوي التحكم وشراء البشر والذمم ، ومثلما كان هناك المدير العام المتحكم المتكئ علي كرسيه كان هناك الموظف الذميم والموظفة الغيورة


وفي تحفتك ( شفيقة ومتولي )أظهرتنا بالفعل كما نحن ، بعض من ملح الأرض ضحايا المتنفذين والمتجبرين ، ومنا ايضا الخائن الذي باع شرفه وبلاده وأهله من أجل منصب أو حفنة سم هاري


وأخذت صبيحة كل يوم تتحسس مواضع النقص داخلنا ، تحمل ريشتك وتشير اليها علنا نسمعك ، ونحن نتصفح رسوماتك ونضحك ، يسرح السم في دمك ونحن نضحك!!ه


حتي عملك الرائع ( الليلة الكبيرة ) لم يكن تصويراً بديعاً لأحد محافل المصريين التليدة والعميقة في وعيهم ، ولكنك حملت الشخصيات كل ما فينا فخرج بهذه العظمة

ولم يكن بعيدا عنا ( ابو عمة مايلة ) ولا الذي سيحول وجه السبع شوارع

ولا الذي امتنع عن ابداء عترته لان( البدلة جديدة ) ولا الذين يقضون الليلة الكبيرة في استمتاع باحساس العيش ( سفلقة ) اكثر من تمتعهم بالليلة نفسها


حتي حين إرتأيت انت ان العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا أساس ومصنع النفوس وبحاجة الي العناية لم تتأخر ، وكتبت مسلسل ( هو وهي ) عله يسهم في ترميم علاقة الرجل بالمرأة فتنشأ ذرية مستقرة وقادرة

ومضت الأيام ، وتوالت السنون ، وانت تنتظر ما لا يجئ ، وزاد لديك اليقين بأن ما تأمله لن تراه بعينيك ، فصبيحة كل يوم تحمل خبراً ثابتاً بالإبتعاد أكثر وأكثر عن مرفأ الأحلام ، وصارت المدينة الفاضلة التي


قاربت ان تعاينها بنفسك بيننا وبينها بحاراً وجبالاً ووهاد ، لم تخر ميتاً الا بعد ان جاءك يقين أخر أننا صنعنا كل هذا بأيديناِ



Apr 8, 2010

خواطر علي مقعد مائل


جابت عيناه صفحة البحر امامه ، تمايل المقعد بعض الشئ وإن توطدت قوائمه في رمال الشاطئ من تحته وحين اراد تقويم وضعه لم يقدر فرضي واستوي ، طلب فنجانا من القهوة وتوصية ( الحرس ) بشحذ حواسهم
لا شئ افضل لديه - لو يعلمون - من ترك الدنيا كلها خلف ظهره والتنعم بالنظر لهذه الصفحة الزرقاء الصافية ولكن منذ متي والمرء يؤتي كل ما يتمناه؟!!ه
قديما كان يعتقد ان المرء قد يؤتي فعلا كل ما يتمناه ، وفي عام ما اعتبر نفسه الدليل الحي علي هذا ولكن الان وبعد كل هذه الأعوام أدرك جيداً انه كان دليلاً علي الوهم ، فكل ما فيه الأن حلم به الكثيرون ويحلم به الان الكثيرون وسيظل يحلم به الكثيرون ولكنه وغيره لم يتوقفوا ليسألوا انفسهم مرة : ما الذي اريده حقا؟!!ه
السلطة ، المال ، النفوذ ، الشهرة ، كلها مفردات لأشياء براقة والكل يطمح فيها ولكن بان انها في ذاتها لم تكن هدفا والا فليقولوا لم يجمعون نقوداً بالمليارات يعرفون جيداً انهم لن يعيشوا لينفقوها؟!!ه
اليوم بان ان كل ما فات كان سعياً خلف الحرية!!ه
واليوم بان انه ومن معه ابعد ما يكون عن الحرية!!ه
عاش ومن معه يكدون فقط في الحفاظ علي المقود في أيديهم وذلك طلباً للحرية ، لئلا يقهرهم احد ولتنفذ كلمتهم في راحة الناس ثم في حياتهم وأخيراً في موتهم
ومثل الطفيل امتص كل حيوية الناس وانتزع حريتهم لكي ينفذ كلمته ويحمي حريته
ومع ذلك لم ينتبه ومن معه الي انهم يدلفون طريقا ذا اتجاه واحد ، العودة منه مستحيلة والنفوذ فيه علي رقاب العباد يتزايد بينما ينكمش النفوذ علي النفس والمصير حتي كاد يختفي
يا للعجب ، الطريق للحرية حمله للرق والأغلال!!ه
ولا أحد يدري ، الكل يطلب منه ويطالب ، انت المسئول ، انقذنا ، افلا يعقل هؤلاء انه لا يملك لنفسه شيئاً بعد ما صار مغلولاً عاجزاً!!!ه
انزاح ، استقل ، استخلف
تواتيه بسمه حزينة وهو يرقب احد النوارس يتيه علواً وانخفاضاً
في أحسن الظروف وأفضل التوقعات فإنه سوف يتحول الي مسن منزوي حبيس لا يطيق أحد النظر في وجهه ، أما التوقعات الأخري ، لا لا ، لا يريد التفكير فيها أصلاً
يقول للأيام ان تمضي ، وقع من الزمن موقعاً فريداً لا يريده ان يتعجل فيفضي به الي مصيره الأبدي ، ولا يريده ان يتمهل فيتركه نهباً لهؤلاء الموتورين
أقسي ما عليه الأن هو إضطراره للصمت أمام إتهاماتهم ولعناتهم ، ولو كان له ان يتكلم لقال لهم : لا تلوموني ولوموا انفسكم
***************
وجائت القهوة

Mar 17, 2010

النهوض من علي الأريكة !!ه


في كتابه ( سيرة القاهرة) - والذي كتبه عن زيارته مصر اوائل القرن الماضي - يحكي المؤرخ الانجليزي سير ستانلي لينبول عن محادثة دارت بين احدي السيدات الإنجليزيات وبين سيدة مصرية قاهرية حيث ان الأولي عرفت عن الثانية انها ومثيلاتها ليس لهم ان يخرجوا من البيت دون إذن وليهم وليس لهم ان يخرجوا من البيت مطلقا وحدهم ولهم مكان داخل البيت مخصص لهم ولا يرون الغرباء الا فيما ندر ، وبالطبع أخذت الدهشة ابنة الغرب فسألت بنت الشرق : وماذا تفعلين طيلة النهار؟


فردت السيدة القاهرية : أجلس فوق هذه الأريكة!!ه


وعادت الانجليزية تسأل : وحين تملين الجلوس علي هذه الأريكة؟


وردت السيدة المصرية : أقوم وأجلس علي الأريكة الأخري!!!ه


ولا شك لدي في السطحية والإستظهار اللذين تمتع به أغلب المستشرقين حين نظروا في أحوال بلاد الشرق وعلي رأسهم مصر الا اني لا أري ان المرأة المصرية كانت بعيدة عن مثل هذا التفكير في هذه الفترة وذلك لأنها كانت قد عبرت غمار عصور من الجهل والتخلف أودت بحصافة المرأة - والرجل ايضا - ولم تترك لديها من الادراك الا الحس الفطري وميراث ثقيل من التوجس من المجتمع والإنكماش تحت عباءة الرجل (وهذا الإنكماش في ذاته ليس عيبا فهو صورة مثالية للفطرة السليمة ولكن المعيب هو الإفراط فيه)ه


وقد قصدت البدء بمثل هذه الحكاية لأنها تصور المرأة المصرية التي تسلمتها أفكار الطهطاوي وعلي مبارك والمدرسة السنية للبنات والتي من بعدها استقبلت أذناها دعوة لشخص عجيب اسمه ( قاسم أمين ) يتحدث في كتابين هما ( تحرير المرأة) و( المرأة الجديدة) عن ضرورة تعليم المرأة وحتمية إعتمادها علي نفسها والتحلل من الصورة غير الإنسانية للإرتكان علي الرجل والخضوع له

وبدأت المرأة المصرية المشوار
***************

في إعتقادي المتواضع ان هناك فارق بين تعليم المرأة والنهوض بأسلوب تفكيرها كصانعة أجيال وحاضنة الأمم وبين حض المرأة علي العمل والمساواة بالرجال في كل المجالات ، الأول منهما حيوي وحتمي لأي أمة تود ان تحفظ أساسها للبقاء ، ولم يكن الإسلام بعيداً عن هذا المفهوم ابداً فالنبي صلي الله عليه وسلم لم يكن يرد سائلة وكانت السيدة عائشة من راويات الأحاديث المكثرات ووردت أحاديث تثني علي علمها ، وحتي حين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية حتي طالت الأندلس غربا والهند شرقا بني المسلمون أعظم حضارة علي الأخلاق والعلم الباهرين ولم يكن هذا ليجري لو ان حاضنة الأطفال تعاني الجهل

أما الثاني فمجرد دعوة نشأت بحسن نية أو سوء نية لا أحد يدري ، بناء علي تفكير عميق او بناءا علي عواطف مشبوبة لا احد يدري ، في مجملها خير مطلق او شر مطلق لا احد ايضا يدري!!!ه

وأصل الدعوة الذي كان في الغرب في رأيي المتواضع كان رد فعل ثوري من المرأة علي قيود وكبت صنعهماالرجل ولكن ككل رد فعل غير محسوب وغير عاقل فإنه عاد بالبؤس علي من رعوه ومن تبعهم ، فالدعوة نادت بأن لا فارق بين الرجل والمرأة وأنها قادرة علي إثبات ذاتها والتفوق ايضا علي الرجل في اي مجال ، وفشت الدعوات لتعليم الإناث والجهاد في سبيل حق المرأة وهنا في مصر تشربت المرأة مبادئ الدعوة ومضت في جهادها - حسب اعتقادهن- وبالفعل كان من بين هؤلاء فلتات استطعن حفر اسمائهن في ذاكرة الأمة وصرن قدوة للرجال قبل النساء

بالرغم من هذا كله بقيت الإشكاليات دون حل ، غطت عليها صخب الدعوات ونشوة الإنجازات : جامعية ، استاذة في الجامعة ، طبيبة ، قاضية ادارية ، وزيرة الخ ، وكانت ابرز تلك الإشكاليات
التعارض مع الفطرة
فبعد ان أؤكد يقيني التام بأن المرأة في مجملها تشتمل علي مميزات ومواهب لا تقل عن تلك التي في الرجل ولا تؤخرها ابدا- في المجمل -عن مقعد القيادة الا ان هذا لم يكن بالخصم من واجباتها الفطرية التي خلقت من اجلها ولا يستطيع احد ان ينوب عنها فيها ، والنتيجة كانت بالظلم البين والشقاء علي المرأة المطلوب منها ان تحارب علي كل الجبهات

وهمسة في الأذن تقول بأن النساء في اوروبا وخصوصا فرنسا - ابحثوا عن كتاب ( اني عائدة للمنزل) - قد انتبهن اخيرا لمدي الضرر الذي وقع علي حياتهن واختياراتهن واسلوبهن في المعيشة بما جعلهن علي شبه يقين ان العودة للدور ( وهو ما لا ادعو اليه مطلقا)الأصلي والطبيعي قد حان وقتها


غياب التمييز
بمعني انه اذا كان من الطبيعي ان يتعلم كل النساء ، فهل من الطبيعي ايضا ان يعمل كل من تعلم منهن؟
ان الذي تلقي الحديث عن تعليم المرأة لم يفهم الكلام جيدا والا كانت الفلسفة في عمل المرأة تعطي الأولوية للشخصيات النسوية الموهوبة والعقول الإستثنائية وربات العمل الشاق والذكاء المتقد وليس فتح مدارس الدبلومات الفنية والتجارية لملايين البنات يخرجن لا يفقهن شيئا في التجارة او التدبير المنزلي علي حد سواء!!!ه
مناجزة الرجال
في مجتمعنا - المدعو له بالهداية - فان المرأة لا تحارب لتقوم بواجبات كونها أنثي او واجبات عملها ومصاعب الحياة المتزايدة ولكن ايضا أضيف عليها تسلط الرجل ، ففي نظر أغلبية رجال مجتمعنا فان وجود المرأة ( محشورة ) في كل شئ أمر خانق ، كما ان الجو العام في الغالب يبدأ في الإمتلاء بالقيل والقال والأحاديث ذات المعاني الخ
ولكم يعصرني الألم مثلا اذا ما تصورت انني قد زاملت زميلات في العمل كن يتواجدن كما نتواجد في مكان العمل لأكثر من سبع ساعات دون ان يكون من حقهن مثلا ان يلجن ( للتواليت ) لكونه غير جاهز لإستقبال النساء!!!ه

والحق ان الموضوع متشعب وضخم ولا تقدر تدوينة مسكينة علي الإحاطة به ولكني أعتبرها ( جر كلام) وتسديد لدين ضخم في رقبتي ورقبة كل رجل للجنس الذي حملتني إحدي المنتميات له وظلت تذهب لعملها - رغم وهن الحمل - وحتي يوم الوضع لأنها لم تكن تملك رفاهية الإختيار وعلمتني ان افهم جيدا قيمة المرأة وحقيقة دورها في الحياة
وانني لأتمني ان تهتدي كل امرأة في مصر لدورها الصحيح الذي يناسبها هي لا ما يناسب الأخريات ، فحينئذ سوف يكون أمامها العديد والعديد من الأشياء العظيمة ، وليس من بينها ابدا الجلوس علي هذه الأريكة او تلك!!!ه
ــــــــــــ
الصور لامرأة القاهرة في القرن التاسع عشر

Feb 25, 2010

مـــصر الــــــيـــوم


فقط لا يتطلب الأمر منا سوي وضع الأمور في نصابها دون تهويل او تهوين ، الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد عاد الي مصر وفي نيته استغلال وضعه الدولي ومكانته الأدبية لإعادة الحراك الي بركة الساحة السياسية بعدما تعفنت مياهها بفعل فساد وجهل النخبة الحاكمة وتضييع المعارضة لنفسها بين الإخوان والتواء سبلهم وبين الأحزاب التي سلمت اللواء سراً والشريف منها أعلن العجز ولجأ الي المكاتب المغلقة
اذا ما تحدث البرادعي عن تصديه للتغيير وحده وخاض الانتخابات مستقلا او عن حزب تدرك فورا انه رقم سيضاف للقائمة الطامعة في وراثة شعب خامل عاطل عن تحصيل حقوقه ، ولكن الرجل حرص منذ اعلانه التحدي علي ان يؤكد ان التغيير ليس بيد شخص واحد ولن تعود ثمرته لفرد واحد وان الكل لابد ان يشارك في خلق غد افضل ، وبقليل من التأمل تدرك ان الرجل لا يبالي اذا ما شارك الكل في غرس النبته وطالبوا بالثمار بعدها والأهم عنده ان يبدأوا فقط
مصر التي كانت قد اصابها القنوط مما هو جاري ولا بديل عنه الا فورات عنيفة الخالق وحده يعلم الي اين تؤدي اليوم سرت دماء الحيوية في اوصالها تيمنا بالقادم الجديد وما بعثه من أمل ، مصر اليوم صار لديها غد تنتظره وترجوه ولا يحول بينها وبينه الا بعض الحوائل التي

يجب ان ننتبه لها جميعا حتي لا يعاودنا القنوط سريعا
الأول
ان الطوائف التي تحتج علي حقوق مهدرة لها ينبغي ان تتحرك في جماعة لأن الحقوق المهدرة نتيجة فساد وسوء ادارة ، وهما نتيجة مباشرة لغياب الرقابة و المحاسبة ، اي غياب الديمقراطية ، اذن فان الذين يطالبون بالديمقراطية ليسوا ( ناس فاضية) ولكنهم اناس لهم رؤية أشمل يجب ان تعمم
الثاني
ان النظام الحاكم في مصر لم يكن ابدا ابدا شخصا واحدا ان حكم حل الفساد وساد وان غاب صلحت الأمور وعم العدل ،النظام الحاكم هو تحالف الشخص الذي يحكم باسمه مع اصحاب المال المستفيدين مع قيادات أمنية وطدت حياتها علي التسلط علي الناس مع قيادات اخري مستفيدة مع موظفين حولوا مواقعهم لأكشاك تلقي العمولات والرشاوي وتسهيل الخدمات و و و و و
وبالطبع لا ينبغي ان نتعجب فان مدة النوم كانت طوييييلة جدا وهذا هو الحصاد ، اذن فلا يتوقعن احد ان يأتي بعضهم ليقول لتلك المجموعات( هش) فتستجيب فزعة وتترك مواقعها ولكن سوف ترون كيف ان كل منهم سوف يدافع بأظافره عن مصالحه ومستقبله وعنوان المعركةهو باختصار (السلطة)ه
وهذا الكلام ليس لفت العضد ابدا ولكن ينبغي التبصير بالتحديات امامنا وتوصيفها قدر المستطاع لكي لا نفاجأ فيما بعد ،وايضا هذا الكلام يقال للتحذير من التراخي بعد ازالة هذه المنظومة العفنة لأن المؤكد هو ان منظومة أعفن سوف تتوالد ما لم تقام الديمقراطية

الثالث
الفرد العادي منا لابد ان يأخذ علي عاتقه دورا ما ، لن نكون كلنا زعماء وطنيين ولن نلقي كلنا الأمر علي النشطاء ، الأمر يجب ان يجري وفق ما يراه كل فرد مناسبا له وفي قدرته ، تبصير المغيبين والسعي لرفع الوعي والتطوع وعدم الصمت تجاه اي خطأ الخ الخ
الرابع

ان الدكتور محمد البرادعي الحائز علي جائزة نوبل وقلادة النيل منذ أعلن تحديه للأوضاع السائدة في مصر وقد أصبح وضعه خطرا وهو بالطبع كان اول من يعرف ولكنه راهن علي ان المصريين سوف يهبوا لنجدة مستقبلهم ، والنظام الحاكم يراهن علي العكس : يراهن انه يستطيع ان يواصل لعبة الإلهاء وفرض الأمر الواقع والعصا والجزرة ومحاصرة الشرفاء الي ان يموتوا اختناقا ، انه يراهن علي منع الشعب من الالتفاف حول البرادعي وتأييده في مسعاه لتحرير الحكم من الديكتاتورية ، سوف يلاقي البرادعي اولا ببعض التصريحات الايجابية لعل البرادعي يحرج ويتراجع ثم تبدأ المرحلة التالية وهي ضرب القوي والأطياف السياسية التي التفت حوله ببعضها البعض لكي تنشل حركة الجماعة الوليدة كما حدث قبلا ل( كفاية ) وما تلاها
سوف يرهقون البرادعي نفسه ويشتتون تفكيره ويصنعوا الجلبة والشوشرة حول نداءاته ويكيلون له الاتهامات

وفي مرحلة تالية قد يعلنون تفكيرهم في تعديل بعض بنود الدستور لكي يسكروا الناس بالانتشاء ثم يظهر ان التعديل كان كسابقه : مجرد فقاعات
وقد يضطرون الي التكشير عن انيابهم كما فعلوا قبلا مع ايمن نور ويظهر ان جماعة التغيير هي سفارة لأسامة بن لادن كانت تقصد لإشاعة الفوضي في مصر!!ه

مصر اليوم ايها السادة أشرقت من جديد ، سكن الأمل عيونها وفاضت الأماني علي محياها وهي تتطلع بشوق الينا ونحن ندافع عن غد أولادنا بالدعوات ، بالقلم ، بالفأس ، بالمفتاح ، بالسماعة ، بكل ما نملك ونقدر متيقنين ان الله لن يخذل من يريد ان يقيم شرعة العدل في أرضه

أيها السادة هذا هو رهان البرادعي ، وهذا هو رهان النظام الحاكم والرهانان قد تعلقا برقابنا ، فاختاروا
ولله الأمر من قبل ومن بعد

Feb 14, 2010

ما أعـــرفه قــلــيل



لا أعرف ماذا أقول لك؟
كل ما أعرفه قليل ، أعرف مثلا انك تحبينه وأعرف انك تحاولين توصيل مشاعرك اليه بأرقي الطرق
أعرف سر ذلك السحر والسرور اللذان يكسيان وجهك اذا ما رأيتيه وأعرف الي ما تصير تلك الفتاة المتزنة وأعرف أثر الحب اذا ما تفجر نوره في وجه المحبين
أكاد أري موجات الفرح وانتفاضات السعادة في عينيك ، اشاحات الأيدي ، ايماءات الرأس ،والابتسامة المزهرة علي شفتيك
أعرف هذا كله
ولكني لا أعرف ما الخطأ الذي ارتكبته انت في هذا كله
أنك احببتي؟
أم لأنك أحببتي فتي شرقياً يفر من القلب العاشق ولا يعترف بعلاقة الا اذا ما بدأها هو
وحين يحدثه أحدهم عن الترفق بالعاشقين يبتسم ساخراً ، أو عن الإقدام فيتمنع ومع هذا لا يتوقف عن التمتع برؤية النداء الصامت في عينيك!!ه
ولقد بحثت عن الخطأ الذي ارتكبته انت في هذا كله ولكن تقبلي أسفي
فكل ما أعرفه قليل

Jan 25, 2010

ضــــع قدمـــك وانطـــلــــق!!ه


أستيقظ من نومي علي هزة رقيقة من يد أبي وهو يهمس ويناديني

أفرك عيني متعجبا من ايقاظي مبكرا هكذا وخصوصا والشمس لم تغمر النافذة بعد ، يطلب مني في رفق ان افارق الفراش وأستعد لكي أنزل معه ، أسأله هل سنسافر ؟

فيجيب بأنه سوف يريني مدرستي اليوم

يسكنني احساس بالمفاجأة ثم أتذكر ما سبق هذا من ابتياع ملابس جديدة وحقيبة جلدية ( بحمالات ظهر )و كراريس ملونة وأقلام رصاص فأشعر بأنني استدرجت لمؤامرة كبري

أبي يعرف بالتأكيد ما سيحدث والا فلماذا تركني وانشغل باعداد ملابسه ، وانا اتحرك للردهة وأذني تلتقط صوت المذياع

باصبح عليك

يا قطر الندي

يا عبير الزهور

باصبح عليك

نساء ينشدن: الجنة أرضنا ، والحنة رملنا ، حلاوة شمسنا

باصبح عليك

وهنا أزفت الأزفة ولا مجال للسكوت ، بكااااااااااااااء ثم ماذا؟ بكاااااااااااااااااء

إخوتي الذين يكبرونني أخذوا حقائبهم واختطفوا شطائرهم وحاولوا محاولات عقيمة لمواساتي( وهم أولي بالمواساة )!!ه

يستيقظ أخي الأصغر علي صوت بكائي ويجلس بعيدا يرقبني في صمت ، تأكد أولا ان الموضوع ليس ( علقة ) جماعية ، يقترب مني و يطبطب علي كتفي مرددا :-ه
معلشي ، معلشي ،معلشي!!ه

تأتي أمي بأطباق الإفطار وهي تحاول هي الأخري بلهجة مغرية:-ه

ده انت هيبقي لك اصحاب كتير كتير زي عمرو وهشام كده ، و هتطلع رحلات والأساتذة هتعرفك

وأنا أرد:-ه

مش عاوز إيييييي مش عاوز

************************

يسير الأمر كما هو مخطط ، وأسير بجوار أبي وفي يدي حقيبتي بها كراستين وقلما وبراية واستيكة ، ينصحني بتعليقها علي كتفي لما رأي قاعها يحتك بالأرض!!ه

بنات وفتيات في عباءات بنية وكحلية ورصاصية يسيرون جماعات وأفراد والكل يمد الخطي بينما الأثير يحمل وقائع طابور الصباح في مدارس عديدة

مدرسة صفا

الله اكبر ، الله اكبر

تحيا جمهورية مصر العربية

حديث الصباح

نصل لمبني غريب الشكل له (حوش ) أمامي امتلأ بقطعان من الأولاد والبنات اتفقوا علي ارتداء مريولة صفراء بأزرار من الخلف ومنهم الممسك بيد أبيه - مثلي -أو ذيل جلباب أمه وفي الغالب دموعه تغرق خدوده مثلي ، ومن لم يبك منهم فهو يراقب العالم بعيون زائغة لا تهدأ !!ه

يصافح أبي أحدهم ويحادثه وان كانت عيناي قد تسمرت علي خرزانة معتبرة أمسكها أخر وأخذ يهش بها علي القطعان لكي تنتظم وتتراص


تداعب إحداهن خدي وتقول

انت بتعيط ليه؟ اوعي تكون مش شاطر زي اخواتك؟!!ه

يزداد بكائي حين يسلمني أبي ليد الشيخ ( علي) ويوصيه علي ، يتأكد انه أدخلني الفصل ويقف علي الباب ملوحا ومبديا رغبته في الرحيل


أين هذا اللوح الخشبي البارد من الفراش الدافئ ، وأين هذه الوجوه الغريبة المزمجرة من الوجوه الأليفة التي ما دامت تلاقيني بالترحاب وكلها أمل فقط أن ألعب معها !!ه

يتعاظم الهم فانطلق في بكاء مريع يأتي الي علي إثره الشيخ ( علي ) يلملم أطراف قفطانه ويطبطب علي كتفي ثم أتنفس ريح العنبر التي تعبق الكاكولا وهو يقول بفم خلا من الأسنان( أول مرة أري فما دون أسنان )ه

خلاااااااص ، بس متزعلشي بقي ما انا معاك أهه

طيب أجيب لك حاجة حلوة ، روح يا ابني اشتري له عسلية


عسلية؟!ه


أرد وانا أغالب دموعي:-ه


لا عاوز بسكوت!!ه

******************


وحين أتي البسكوت داريت دموعي


لليوم

Jan 10, 2010

بعــض ترانـــيم الــــشــتاء


سحر الشتاء يكمن في لياليه ، ولن يضره ضيقي وغيري بالتكبل بالملابس الثقيلة او بالوحل الذي تغرق فيه الشوارع في بلادي او حتي بالبرد الذي يجرح الكبرياء داخل نفوسنا نحن بني البشر

يلزمك ان تحيا بعض الوقت لكي تتأكد ان الشتاء ليس هذا فقط ، الشتاء
هو ان تقف خلف زجاج النافذة ممسكاً بكوب المشروب الساخن وتتطلع الي زخات المطر وهي تترنم ، انت في الداخل مطمئن ودافئ وتتطلع الي الغمام وتتفكر في البعض الذي يحتفي الأن بالسيل من أجل محصوله أو بالبدو الذين يعيد اليهم المطر اشراق الحياة ونضرتها ، او حتي في السعادة التي نالها طفل هطلت عليه القطرات فظل يجري ويتقافز
الشتاء ليس فصلاً وطقساً ، انما هو رجل بعباءة سوداء يذيب بالبرد والمطر ما تكاثف حول قلوب البشر طوال العام ، يشير بعصاه فيتقارب البشر ويلتمسون الدفء لدي بعضهم البعض ، تدور أكواب الكاكاو والحلبة الساخنة ويصطلي الأزواج بالأنفاس والعشاق بالتنهدات والعائلة بالأحلام والسمر في حجرات مغلقة دافئة
حتي وان تدثرت بملابسك وخرجت فسوف تعجب مما حولك ، المطر نزل فغسل وجه الحياة من حولك وأزال كل ما علق من غبار غبائنا ورعونتنا فعاد كل شئ الي أول خلقه ، وتحول الوجود الي لوحة زاهية عاد فيها الشجر الأخضر ، الأوراق الجافة ، فروع الشجر ، الطيور الحائمة ، الجدران ، الشرفات وحتي الأسفلت ، كل عاد الي لونه وأخذ مظهره الطبيعي
ويا لحظك السعيد لو صادفت يوما من هذه الأيام في الريف ، هنالك تتجلي إرهاصات الفطرة السليمة وأنت تطل علي الحقول الخضراء وقد سري الدفء في الأثير وغابت الشمس خلف مظلة غمام مخملي رمادي

هناك ، سوف يرتجف القلب اذا ما أشرفت علي كل هذا وندف المطر الرقيقة تصطدم بوجهك وتستحيل الي كلمات نشوي ووجد ونجوي تصيب من كان له الحظ ، حتي ولو لم يتعد أن يكون طيفاً أتي من حيث يأتي قوس قزح
هناك حيث تولد الأحلام

Dec 21, 2009

وسط البلد - ميدان طلعت حرب

أعتقد أنها قسمة عادلة لو نسبنا الميدان لطلعت حرب باشا
والشارع لسليمان باشا ، فكلاهما يستحق

************

الميـــــدان

لا نبالغ ان قلنا أن ميدان طلعت حرب هو أجمل ميادين مصر والشرق الأوسط كله بلا منازع بل وأكثرهم إحتفاظا بسحره وعراقته وطابعه المعماري المتميز والأوفر حظا بنجاته مما حط علي الميادين الأخري من أفاعيل حولت معظمها الي صور تعبر عن ( المولد الشعبي ) في مصر!!ه

الميدان في الأصل كان لسليمان باشا الفرنساوي القائد العسكري المعروف وكان الميدان رحما لتمثاله قبل ان يستبدل باسم وتمثال حرب باشا

يشغل الميدان أهم موقع من مواقع وسط البلد علي الإطلاق حيث يعتبر المدخل الأساسي لأي من شوارع القاهرة الخديوية ومعالمها ، كما انه ملتقي تقاطع أشهر شوارع القاهرة وأعرقها مثل سليمان باشا وقصر النيل الخ

حدود الميدان قد تحددت بعدد غير قليل من المعالم المشهورة مثل(جروبي)وهو حلواني سويسري ارتاد القاهرة أوائل القرن العشرين وأسس محله لخدمة الأجانب في مصر وكذا الطبقة العليا المصرية ومثله أيضا مكتبة (مدبولي) وهو الناشر الأريب المتوفي هذا العام وحديثا اتخذت دار الشروق مكانا في حلقة المتاجر المحيطة بالميدان وكذا جريدة الخميس الأسبوعية
أعلي(جروبي) يظهر مكتب المحاماة السابق للسياسي أيمن نور والذي استحق بموقعه الذي لا يتكرر أن يعلنه مقرا رئيسيا لحزبه ( الغد) قبل أن يدخل هو السجن ويتنازع المتنازعون علي التركة والمقر ضمنها وأدي النزاع اخر الأمر الي حرق المقر وكان الدور علي البناية بكاملها لولا ستر من الله
والقاهرة الخديوية قديما وحين ارتفعت عماراتها واحدة بعد الأخري في أوائل القرن العشرين حازت كل أسباب الجمال المعماري فمصممي
الشوارع كان قد تم استدعاؤهم من إيطاليا ومن فرنسا لكي يخطوا الشوارع والميادين
وعلي أن تكون عمارة البنايات متناسقة مع التخطيط ومؤسسة علي نهج أعرق مذاهب التصميم الأوروبية فظهرت الشوارع مستقيمة تتقاطع في ميادين بشكل دائرة مثالية ويحف هذا كله بنايات بديعة متناسقة علي طرز الروكوكو والباروك الشائعين في أغلب دول أوروبا كفرنسا وايطاليا
والجدير بالذكر أن المنطقة تحولت بعدها الي قلب العاصمة فقد انتقل الخديو اسماعيل من مقره في القلعة ليحكم من قصر عابدين كما أن شوارع المنطقة كانت مما يألفه الأجانب ويميلون للعيش فيه أو بما يناسب أنشطتهم التجارية فصارت المنطقة مركزا للشركات والمحال الحديثة وبالتالي صارت حاضنة للسلطة والمال واختطفت اسم (قلب العاصمة)من الجمالية والقلعة بعد قرابة الألف عام
ومع قيام الثورة أخذ الأجانب يشعرون بتبدل الحال وصدق ذلك نتيجة مفاوضات الجلاء وارتفاع يد الراعي البريطاني عن حماية مصالحهم وزادت وتيرة جلائهم عن مصر أيان العدوان الثلاثي - وبخاصة اليهود - الي أن قاربوا الإختفاء من حياة المصريين أوائل الستينات ومع إحتدام قرارات التأميم والتمصير وان بقيت مع كل هذا (وسط البلد )هي القلب الاقتصادي لرؤس الأموال المصرية باحتضانها البورصة والكثير من الشركات والمتاجر الكبري والمقار الرئيسية للبنوك المصرية وأبرزها بنك مصر
الــرجــل

طلعت حرب باشا ، مصري من أصول ريفية - محافظة الشرقية - ومتخرج من كلية الحقوق
نابه ومفكر وعلامة بارز وله مؤلفات تخص مصر والدولة العثمانية والرد علي كتب قاسم أمين في تحرير المرأة وكتاب عن قناة السويس قاد حملة ناجحة لإبطال دعوي بريطانيا في مد الامتياز الخاص بالقناة
الرجل مع كل هذا تقلب في مناصب كثيرة اختتمها بادارة شركة كوم أمبو والشركة العقارية المصرية والأخيرة كانت ارهاصا لما سيسير فيه من بعد فقد عمل علي تمصيرها ولم يتركها الا وأغلب أسهمها في أيدي المصريين
الرجل مع كل هذا لم يهدأ ودار يدرس الأقتصاد والأداب واللغات واتصل بكافة التيارات الموجودة علي الساحة أنذاك وتفاعل معها ، بطريقته!!ه
الباشا كان خير مثال لفصيل من الرجال نادري الوجود والذي قد نحيا ونموت دون ان نري منهم واحدا ، الرجل من هذا الفصيل هو المقياس
الحقيقي لكلمة رجل ، لم يختطف الكلمة من أفواه الساقطات او بالتجبر علي الضعفاء او التكشير وإهانة الزوجات إنما تشرب الرجولة روحا من عمل وتهذيب نفس ورقي وتكريس الحياة من أجل الغير
هذا الفصيل قليل الكلام وان كان يعطي للكلام أبعادا ثلاثية ، الكلام
عنده يلمس ويحس ، الكلام عنده ليس خطبا تسود ولا أناشيد تتلي ، الكلام لدي هذا الفصيل يتحول الي أشياء وانجازات تنفع وتعلي
وهذا الفصيل لا يجري خلف الكراسي والمناصب ولا يهتم بها ، فأمثال هؤلاء هم من تتشرف بهم المناصب
وهذا الفصيل من الرجال يعلم جيدا جدا قيمة الوقت وينسب كل شئ يقوم به للأيام والساعات ، فبمثل هذا يفترق
الذي بني القلاع وشيد الانجازات عمن قضي حياته نكرة لايذكره حتي ابنائه!!!ه
طلعت حرب ، الرجل الذي كان شغله الشاغل مواطنيه الضعفاء المسحوقين أمام الوجود الأجنبي والمحرومين من الوظائف وحقوق العمل العادلة ، نادي بتأسيس بنك للمصريين ليس كحافظة لأموالهم فقط ولكن كأداة لإدخال الصناعات المختلفة لمصر والحد من البطالة

وتأسس البنك عام الف وتسعمائة وعشرين ورفض الباشا ان يكون رئيسه واكتفي بكونه العضو المنتدب(!) وطوال خمسة عشر عاما من تأسيسه كان يعمل قرابة الخمس عشرة ساعة يوميا وبدون مقابل(!) وفي هذه السنوات تضاعف رأس مال البنك عدة مرات ولم يمر عام ثمانية وثلاثون الا ووصل عدد الأفرع سبعة وثلاثون!!ه
أنشأ بنك مصر أول مطبعة مصرية ، شركة مصر للنقل البري ، مصر للنقل النهري ، مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري ، مصرللملاحة البحرية ، مصر للصباغة ، مصر للمناجم والمحاجر ، مصر لتصنيع الزيوت ، مصر للمستحضرات الطبية ،مصر للأغذية والألبان ، مصر للكيماويات ، مصر للفنادق ، مصر للتأمين ، شركة بيع المصنوعات المصرية ، مصر للتمثيل والسينما (ستوديو مصر )، مصر للطيران
وكما استوعب البنك في شركاته أغلب العمالة المصرية بكافة مهاراتها فقد كافح البنك سياسات الانجليز باقراض الفلاحين المصريين ثم الحجز علي اراضيهم والاستيلاء عليها وذلك بدعم تأسيس شركات المقاولات المصرية وكذلك بتدعيم تأسيس البنك العقاري المصري فيما بعد لحفظ الثروة الزراعية


كل هذا كان في زمن لا يتجاوز العشرين عاما بأي حال ، ولا فارق بين تلك السنوات وهذه التي نحياها سوي في فصيلة الرجال وصنفهم ، تلك عمرت فيها البلاد وارتقت وفي هذه تدنت وهانت علي نفسها
الدعوة الي انشاء البنك واكبت كما لاحظتم احتدام العمل الوطني وانخراط المصريين في دعم سعد زغلول وزملائه وأحداث ثورة الف وتسعمائة وتسعة عشر ورغم ان طلعت حرب باشا كان من المناصرين لزعماء الثورة الا ان نظره الثاقب هداه الي الاهتمام بمشروعه وحلمه فأهميته لا تقل بحال عن مشروع سعد باشا السياسي ان لم يكن أحد أهم أدواته
وسار السياسي في دربه ، وسار الاقتصادي في طريقه ، وصار أثرهما دلالة عميقة علي ان العمل للناس غير موقوف علي منبر السياسي او كرسي رجل المال ولكنه مرهون فقط بالإخلاص والإرادة، حتي ولو من فوق محراث