Jun 2, 2011

قبس من رحمته





أربعينية سمراء يصحبها ستيني بمنظار طبي غليظ وقد سارت خلفه تقدم قدماً وتؤخر الأخري الي ان دلفت من باب العيادة...تركته يتعامل مع حاجب الطبيب وأوت هي الي أقصي ركن في العيادة وهي تحتضن بعناية اللفافة البيضاء الناصعة وما تحتويه من وليد بدا لم يتم شهر من عمره...أنهي الرجل إجراءات الحجز و"مراضاة" الحاجب الا انه أبي الا ان يحافظ علي موقعه فلا يذهب ليجاورها في مقعدها مكتفياً بالنظرة الصامتة من بعيد وتاركاً لها الوجود لكي تتفرغ لمناجاة الوليد الغائب عن الوعي والإدراك

يدخل مريض ويخرج وهي علي حالها وهو علي حاله...يدخل أخر ويخرج وهي علي حالها وهو علي حاله ...الي ان لكزه الحاجب منبهاً الي ان دوره قد حان..ينادي بفم قد افتقد نصف أسنانه علي الأقل ويقول : ياللا يا عبير..ياللا..وكما المتجه الي المقصلة تقوم هي وتدخل الي حجرة الطبيب لدقيقة قبل ان تخرج خالية اليدين وقد احتقنت صفحة وجهها وتجعدت ملامحها الي ان تنفجر في البكاء المرير حين تسمع بكاء الوليد  لقطع منامه او قل إرهاصاً بجرح سوف ينزل به خلال دقائق..تنهنه بصوت عال والزوج لا يملك من امره شئ وقد استند الي الحائط ولا يجد في نفسه ولا في طاقته ولا في سنوات العمر التي مضت ما يقيمه علي قول شئ..أي شئ 


بكاء الوليد يعلو ويعلو من وراء الباب وهي تبكي وتفرك في ذراعيها بقوة كأنها تضغط علي ألمهاوتتحسر: يا تري مالك يا عبد الرحمن..مالك يا حبيب امك..ده انا ماليش غيره يا ناس ده اللي ربنا اداهولي بعد ما كنت يأست..فوضت امري ليك يا رب..فوضت امري ليك يا رب

دقائق وينفتح الباب لكنها كانت قد سبقت حتي الطبيب الذي فتح الباب كي ينادي عليها فإذا بها تزيحه بيدها وتدخل تحتضن "عبد الرحمن" وتقبله في جنون وتعيد لفه باللفافة البيضاء مهدهدة إياه حتي يكف عن البكاء لا تري زوجها وهو يشكر الطبيب ولا نصائحه للعناية بالجرح..لا تري في الدنيا الا عبد الرحمن وقد عبر الختان وصار جاهزاً يستمع لمناجاة أمه عن حقها في الدنيا الذي أخذته يوم ان رأته فقط...وانتظارها ان يكبر بفارغ الصبر...والكرة الجلد التي ابتاعتها له..وعمته الشريرة التي لا تكف عن عقد " الأعمال" لتفرق بينها وبين ابيه..عن كونه الأمل المنتظر ليعيد لها كرامتها..عن وعن وعن ولا تري ايضاً ان "عبد الرحمن" قد طوي الامه وابحر في محيط الأحلام

1 comment:

MR.PRESIDENT said...

عجبتيني التدوينة خصوصا حته الايمان بالاعمال طبعا قبلها مشاعر الأم واحساسها بالضياع لخوفها علي عبدالرحمن

الايمان بالاعمال فيه من الجهل الكثير ومن الشرك بالله بس للأسف مستشري في الطبقة الفقيره

ربنا ينور عقول الناس للخير والحق .

ويهدينا ويهديهم دمت سالم